الجمعة، 23 أبريل 2010

رحلة الجبل ५

في الصباح الباكر ، وعندما بدأت خيوط النور تأخذ طريقها من خلال تلك الحمرة السماوية المكتسية بالبنفسج،
ومع خلفية موسيقية كتلك التي نسمعها في الغابات ، إلا أنها هذه المرة كانت مستمرة لا تنقطع ،
بالإضافة إلى تلك المخلوقات والطيور التي أقسم أني لم أرها في غير هذا المرتفع الذي يجعلك تشعر وكأنك قد انتقلت للعيش في عالم آخر ، حيث الطبيعة هي كل ما تملك أن تراه عينك ، باستثناء تلك الآلات الدخيلة التي اصطحبناها معنا لنلوث بها نقاء وانسجام هذه العالم الجديد .

حزمنا متاعنا ووجدنا أن أهل القرية قد اجتمعوا لوداعنا ، وعندما ولينا وجوهنا شطر وجهتنا التالية ، إذ بطفل في التاسعةأو العاشرة يصيح ويركض تجاهنا ..بل باتجاهي أنا تحديدا ،
يتقافز على الصخور كتلك القرود المفترسة التي قابلنا ها في الطريق ، أقبل علي ومد يده ليصافحني .. فصافحته ،
فطار يركض صائحا رافعا يده لقد سلمت على العربي !!!
" na salama a balarabe "
!!!!
................
انطلقنا في رحلتنا نتسلق الصخور ، نهبط المنحدرات ، نجوب الوديان ، ونجابه الأخطار التي يقبع تحتها المجهول ،
فلم يكن يخيفني أكثر من ذلك الأسود الذي يظهر بين الصخور ، أو ذلك الأبيض الذي يختلط بالأخضر والبني يلوح لك عندما تلقي بنظراتك إلى الأسفل ..
استمرت الرحلة ، لكن هذه المرة لم تخلو الجوانب من بعض البيوت المصنوعة من الخوص وأوراق الأشجار ، والمكتسية ببعض العظام ، والتي أسرعنا الخطى وطوينا الأرض طيا ، عندما علمنا من مصادرنا أنها بيوت السحرة !.
...........
تمركز ذلك القرص الدائري الملتهب الأصفر المائل للبياض في كبد السماء ، واجتهد في أن يخرج القدر الأكبر من الماء خارج أجسادنا ، لكن لا سبيل لمعالجة ذلك إلا بإعادة ملئ ما يخرجه من ماء ،
لكن قدرته على إخراجه من جديد كانت مذهلة .. تسببت في انتهاء المخزون الاستراتيجي من الماء .
لم نستسلم له ، وإنما انحدرنا إلى جانب الطريق لجلب المساعدة ،
صعب علي فهم ذلك ، لكن لا تفسير منطقي سوى أنها قدرة الله التي عجزنا عن رؤيتها والتفكر في عظمتها نتيجة تلك المدنية المفرطة ، وتلك الآلات الحديدية المصمتة التي تحجب عنا رؤية آلاء خالق الملكوت ،
وقفت مكاني لا أكاد أعقل كيف لهذه المياه الباردة -والتي قد تسبب ألم الحلق - أن تتواجد في هذا الجو ، وسط هذه الصخور ، وبهذه الكميات ،بل وتجري وتنساب في تدفق إلى المجهول ،
من أين وإلى أين ؟
تتبعتها حتى وصلت إلى ذلك الأسود المخيف مرة أخرى فسلمت أمري لخالقي وقررت الاستسلام أمام عظيم قدرته .
.......
عدنا مرة أخرى لمجابهة ذلك القرص الذي لم يزدد أثناء الهدنة إلا طاقة وإشعاعا مما كان كافيا لاكتسائي ببعض الجلد الذي أثار اختفاؤه دهشة عجوزنا في القرية ، فقد ملت إلى السمرة الهندية قليلا ، بالإضافة إلى استمراه في عملية الإخراج المائية سالفة الذكر ..

أثناء سيرنا وعندما أخبرنا دليل كتيبة الدعاة بأننا قد قطعنا نصف المسافة تقريبا !!
وعلى ما يبدو فقد ظهرت على وجهه علامات الفرح التي لم تعرف طريق ارتسامها على وجهي ووجه والدي ، حيث إن علامات التعجب والذهول والاستفهام قد سبقتها وتمركزت على وجهينا ، ومنعتها حتى من الاقتراب ،
لكن ... ما باليد حيلة ،
سنستمر في المسير حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا ،
حصوات متساقطة من الأعلى قطعت هذا المشهد الاستسلامي لتقلبه إلى مشهد درامي مثير ،
فقد أجبرت تلك الحصوات رؤوسنا لا إراديا على الارتماء للوراء ومد البصر عاليا .. فهذا نذير وقوع إحدى تلك الضخام فوق رؤوسنا ، كما كانت تصورها لنا الأفلام حتى اصبحت كالـ"كليشية " المحفوظ

إلا أن المخرج قرر هذه المرة أن يخرج عن النمط التقليدي في محاولة للتجديد ، فلو كان الأمر كذلك ، لما كنت أكتب هذه السطور الآن
................
لنعد مرة أخرى إلى الأعلى
لقد كانوا جماعة يصلون ، نعم .. هو أمر أشبه بتلك الصور التي يبعثها أحدهم على البريد الالكتروني ليخبرك بأن هذه هي روعة هذا الدين ، وأن هذه المشاهد الخيالية ليست كذلك ،
فهذا الرجل الذي يسجد في الصحراء بجانب جمله الذي يشاركه السجود ، لا يقل غرابة عن هذا الأفغاني الذي يصلي على صخرة فوق الجبل حيث يحيط به السحاب المتناثر على جانبيه ،
أو ذلك العدد المهول من الساجدين الذين حولوا مترو الأنفاق وسطح عربة المترو إلى مصلى كبيير ،
كانت هذه الجماعة فوقنا تصلي على منحدر صخري ، لو أن أحدهم زحزح قدمه خطأَ لوصل إلينا في لحظات ، لكنه لن يكون بخير حينها على كل حال ..