الجمعة، 23 أبريل، 2010













دا اللي هوا .. أنا

كنت جالسا غارقا في عالم خاص صنعته بنفسي في أيامي القليلة الماضية ،
مغلقا زجاج السيارة عند المنتصف ، للسماح ببعض ذرات الهواء من المرور ومداعبة شعيرات ذقني الممدد للأعلى نتيجة لانجعاصي على كرسي السيارة ،
جلسة طالما تعودتها عند قوم آخرين ، ربما تعد هنا من جلسات قوم السوء أو الإنفين إلا أن اختلاف الثقافات قد يشفع لي ، فلا تتوقفوا هنا كثيرا ،
ولنذهب إلى ما قطع عني تحليقي في عالمي المصنوع منذ أيام قليلة ،
سمعت طرقات استدعتني من كوكب الهيام والشجن إلى وجه امرأتين احداهما في أواخر أيام حياتها ، والأخرى تمضي بجد لتلحق بها
اعتدلت ، وتنحنحت و بحركة ميكانيكية مستديرة لمقبض بجانبي كانت ذرات الهواء الحبيسة خلف الزجاج السميك نوعا ما تنطلق لتخترق خصلات شعري -قبل ما أحلق - وتصيبني برعشة خفيفة ،
نظرت إلي صغراهما بعينين مستعطفتين لم تعدمها تلك العجوز بجوارها
أنكرت أن يكونا متسولتين أو ما شابه ، ملبسهما يدل على غير ذلك
قالت لي الصغرى : "بلهجة عراقية ميزتها من خبراتي اللغوية واللكنوية " هل بإمكاني مساعدتهما للعبور إلى الناحية المقابلة من الشارع عند العمارة الثانية
لأن رفيقتها العجوز قد خرجت توا من المشفى ولا تقوى على العبور
؟
استغربت قليلا من هذا الطلب الغريب وبلّمت لبرهة .. أيقظني منها نداء العجوز بالدعاء والاستعطاف
بعض المسائل الرياضية والحسابات دارت بسرعة إلا أني لم أنجزها قبل أن ينطق لساني بالترحيب بهما وفتح " مسوجر " السيارة ليركبا ،
وقفت العجوز مكانها وقد تغير وجهها لفعلي
وقالت : بجد ؟ إنت موافق بجد ؟ حقيقي ؟
لم استوعب أسئلتها
قلت لها تفضلي ،
ركبت ولسانها لا يكف عن انعدام هذا النوع من البشر ، وغير ذلك من الكلام الذي تعودته هنا منذ ثلاث سنوات
بالإضافة إلى أن شكلي واد طيب
تلك الكلمة التي لم يمتنع حتى العسكري على بوابة الجامعة من أن يذكرني بها عندما أنسى الكارنيه ، ويدخلني دونا عن ذلك الواقف خلفي الحامل لكارنيه الميترو أو المدينة في أيام الاضطرابات
حتى رئيس الحرس .. انخدع في وقالها عندما ذهبت بلوحة حائط عن فلسطين وأخبرته بأني ذاهب أولا لرعاية الشباب للموافقة عليها
لقد شاركتهم تلك السيدة هذه المقولة التي لا أعرف مدى صحتها
كان الأمر يسيرا
وصلنا إلى الناحية المقابلة من الشارع ووقفت وفتحت الباب لتنزل
سألتني
إنت ظابط ؟
دوررت ذلك السؤال في خلاط مخي ولم أجد له تفسيرا إلأ ذلك السواد في سواد الذي أردتيه ، وتجهمي الدائم أو ربما نظرتي للأمام وفقط ،
قلت لها :
لا يا حاجة
أنا إخوان مسلمين
ابتسمت .. ثم انصرفت

رحلة الجبل .. الأخيرة

بعيدا في الأفق .. بدأت بيوت القرية تلوح ، كأنها الرؤوس تطل لتنظر القادم إليها ،ذلك الغريب .
لم نستغرق الكثير لنتمركز هذه المرة ، فقد كانت المهمة شاقة ، ولا وقت لتضييعه .
انتشر الشباب في بيوت القرية يدخلونها ، يتعارفون على أهلها ، يلاعبون صغارهم ، ويساعددون كبارهم ، ويعرضون عليهم ما تكون به سعادتهم في الدارين .

في ركن الحافة كانت المجموعة الخاصة بالذبح وتجهيز الأضحية منشغلة في ذلك الجسد الممد أمامها ، في محاولة لتجزئته إلى أصغر قطع ممكنة ، كان هذا في بادئ الأمر ، حيث لاحظت أن القطع تكبر شيئا فشيئا مع مرور الوقت ، وتفصد جبين الممسك بالسكين عرقا يغني عن وضع الملح مع اللحم .
أما أنا ووالدي والجوشاوي ، فقد انطلقت أقدامنا رغم إعيائها في رحلة استكشافية تفقدية ، اصطدمت في بدايتها بالقرويين يدرسون القمح في ساحة كبيرة هي في حقيقة الأمر صخرة ضخمة مستوية السطح مرتفعة الأطراف ، لكأنها صنعت خصيصا لهذا الاستخدام ،
يمسكون بأيديهم عصياَ غريبة قد تماثلت في أشكالها .. يستقيم جسمها وتنحنى رأسها كتلك الفتاة الحيية القابعة في تلك الزاوية ،
يضربون القمح ضربة واحدة ، وهم يدندنون بأصوات تخرج من حناجرهم لتشق عنان السماء ، لا تلبث حتى تعود أخرى في صدى رائع يحرك قدميك طربا لها .
يتجمعون في دائرة كبيرة ، ثم يضيقونها شيئا فشيئا ، حتى تلتصق عصيهم فإذا ما تعالت أصوات تصافح العصي ، عادت الدائرة للاتساع من جديد ، مع حركة ميكانيكية لم تتوقف إلا لأجل إدخال والدي في ثنايا ذلك التجمع الإفريقي ، والذي أضاف صوتا جديدا إلى أغنيتهم ، حيث اكتسبت الأغنية لحنا جديدا أشبه ببعض الضحكات التي تخرج على حين غرة فرحا بمشاركة ذلك الغريب إياهم .
.................

في المساء جلس والدي للموعظة والاحتفال بهؤلاء الـ(...) الذين دخلوا إلى طاقة النور الإلهي ، وأشرقت وجوههم رغم ظلمة الليل الحالك ،
عندما تكلم أبي ، شرع جوشاوي بالترجمة ، وهذا طبعي بطبيعة الحال ، لكن أمرا جديدا هو ما دفعني للانزواء في ناحية بعيدة والانشغال ببعض حصوات الجبل ، إنني ألهو ببعض ما تمرد على وحدة الجبل وخرج عن جماعته وآثر أن يكون وحيدا .. لكنه كان صغيرا ضعيفا تحركه أناملي وتذهب به يمنة ويسرة دون حول له أو قوة ،
ذلك الجديد ، هو أن ما سيترجمه الجوشاوي من كلام أبي ، سيترجمه آخر ليدركه أبناء القبيلة ، وما سيترجمه صاحبنا ، سيعيده آخر ليصل الصوت إلى أولئك النسوة في الخلف .. فيال طول البال ، ويالها من موعظة .

بعد انقضاء تلك الموعظة ( الجملي ) رقدت بجانب والدي على حافة الصخرة ..أتفكر في النجوم ، فلم يعرف النوم سبيلا إليّ ، أظنه لم يستطع أن يحتمل ذلك الأسود المجهول بجانبي ، والذي كنت لأتوسطه لو أني تزحزحت أو ملت بجانبي -على اعتبار أني على السرير - فما كان من التفكير حينها وعد النجوم من بد .

لكن المفارقة هي أن تفكيري ارتطم بتفكير والدي فاندمج كلاهما ليكونا واحدا ،
كيف لا ، والهم واحد ، والغاية واحدة ، بل كيف لا .. وهل يخرج الفرع عن أصله ؟
بل هو بحكم تلك الجينات الواحدة المتواجدة في كلينا يشعرني معنى أن أكون والدي في حركاته وسكناته ..بل قل في همساته ونظراته !!

على من تقع مسئولية إيصال دعوتنا إلى هؤلاء ؟
ألا تكمن الدعوة الحقيقية هنا ؟
حتى متى نعيي أنفسنا بإقناعها بخدمة الدعوة وحمل لوائها ؟
أليس هذا ما نذرنا أنفسنا لأجله ؟

كانت كل نجمة في السماء تحمل سؤالا ..يضعك أمام الأمر الواقع ، أمام نفسك وفقط
في تلك الليلة .. تماما في سويعات الثلث الأخير ، قرر كلانا أمرا .. أمرا واحدا .. فكانت بداية الرحلة ..من هنا .
_______________________
رحلة الجبل .. في جبال جوازا ..بمدينة ميدغري ..بولاية برنو .. في نيجيريا

رحلة الجبل ५

في الصباح الباكر ، وعندما بدأت خيوط النور تأخذ طريقها من خلال تلك الحمرة السماوية المكتسية بالبنفسج،
ومع خلفية موسيقية كتلك التي نسمعها في الغابات ، إلا أنها هذه المرة كانت مستمرة لا تنقطع ،
بالإضافة إلى تلك المخلوقات والطيور التي أقسم أني لم أرها في غير هذا المرتفع الذي يجعلك تشعر وكأنك قد انتقلت للعيش في عالم آخر ، حيث الطبيعة هي كل ما تملك أن تراه عينك ، باستثناء تلك الآلات الدخيلة التي اصطحبناها معنا لنلوث بها نقاء وانسجام هذه العالم الجديد .

حزمنا متاعنا ووجدنا أن أهل القرية قد اجتمعوا لوداعنا ، وعندما ولينا وجوهنا شطر وجهتنا التالية ، إذ بطفل في التاسعةأو العاشرة يصيح ويركض تجاهنا ..بل باتجاهي أنا تحديدا ،
يتقافز على الصخور كتلك القرود المفترسة التي قابلنا ها في الطريق ، أقبل علي ومد يده ليصافحني .. فصافحته ،
فطار يركض صائحا رافعا يده لقد سلمت على العربي !!!
" na salama a balarabe "
!!!!
................
انطلقنا في رحلتنا نتسلق الصخور ، نهبط المنحدرات ، نجوب الوديان ، ونجابه الأخطار التي يقبع تحتها المجهول ،
فلم يكن يخيفني أكثر من ذلك الأسود الذي يظهر بين الصخور ، أو ذلك الأبيض الذي يختلط بالأخضر والبني يلوح لك عندما تلقي بنظراتك إلى الأسفل ..
استمرت الرحلة ، لكن هذه المرة لم تخلو الجوانب من بعض البيوت المصنوعة من الخوص وأوراق الأشجار ، والمكتسية ببعض العظام ، والتي أسرعنا الخطى وطوينا الأرض طيا ، عندما علمنا من مصادرنا أنها بيوت السحرة !.
...........
تمركز ذلك القرص الدائري الملتهب الأصفر المائل للبياض في كبد السماء ، واجتهد في أن يخرج القدر الأكبر من الماء خارج أجسادنا ، لكن لا سبيل لمعالجة ذلك إلا بإعادة ملئ ما يخرجه من ماء ،
لكن قدرته على إخراجه من جديد كانت مذهلة .. تسببت في انتهاء المخزون الاستراتيجي من الماء .
لم نستسلم له ، وإنما انحدرنا إلى جانب الطريق لجلب المساعدة ،
صعب علي فهم ذلك ، لكن لا تفسير منطقي سوى أنها قدرة الله التي عجزنا عن رؤيتها والتفكر في عظمتها نتيجة تلك المدنية المفرطة ، وتلك الآلات الحديدية المصمتة التي تحجب عنا رؤية آلاء خالق الملكوت ،
وقفت مكاني لا أكاد أعقل كيف لهذه المياه الباردة -والتي قد تسبب ألم الحلق - أن تتواجد في هذا الجو ، وسط هذه الصخور ، وبهذه الكميات ،بل وتجري وتنساب في تدفق إلى المجهول ،
من أين وإلى أين ؟
تتبعتها حتى وصلت إلى ذلك الأسود المخيف مرة أخرى فسلمت أمري لخالقي وقررت الاستسلام أمام عظيم قدرته .
.......
عدنا مرة أخرى لمجابهة ذلك القرص الذي لم يزدد أثناء الهدنة إلا طاقة وإشعاعا مما كان كافيا لاكتسائي ببعض الجلد الذي أثار اختفاؤه دهشة عجوزنا في القرية ، فقد ملت إلى السمرة الهندية قليلا ، بالإضافة إلى استمراه في عملية الإخراج المائية سالفة الذكر ..

أثناء سيرنا وعندما أخبرنا دليل كتيبة الدعاة بأننا قد قطعنا نصف المسافة تقريبا !!
وعلى ما يبدو فقد ظهرت على وجهه علامات الفرح التي لم تعرف طريق ارتسامها على وجهي ووجه والدي ، حيث إن علامات التعجب والذهول والاستفهام قد سبقتها وتمركزت على وجهينا ، ومنعتها حتى من الاقتراب ،
لكن ... ما باليد حيلة ،
سنستمر في المسير حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا ،
حصوات متساقطة من الأعلى قطعت هذا المشهد الاستسلامي لتقلبه إلى مشهد درامي مثير ،
فقد أجبرت تلك الحصوات رؤوسنا لا إراديا على الارتماء للوراء ومد البصر عاليا .. فهذا نذير وقوع إحدى تلك الضخام فوق رؤوسنا ، كما كانت تصورها لنا الأفلام حتى اصبحت كالـ"كليشية " المحفوظ

إلا أن المخرج قرر هذه المرة أن يخرج عن النمط التقليدي في محاولة للتجديد ، فلو كان الأمر كذلك ، لما كنت أكتب هذه السطور الآن
................
لنعد مرة أخرى إلى الأعلى
لقد كانوا جماعة يصلون ، نعم .. هو أمر أشبه بتلك الصور التي يبعثها أحدهم على البريد الالكتروني ليخبرك بأن هذه هي روعة هذا الدين ، وأن هذه المشاهد الخيالية ليست كذلك ،
فهذا الرجل الذي يسجد في الصحراء بجانب جمله الذي يشاركه السجود ، لا يقل غرابة عن هذا الأفغاني الذي يصلي على صخرة فوق الجبل حيث يحيط به السحاب المتناثر على جانبيه ،
أو ذلك العدد المهول من الساجدين الذين حولوا مترو الأنفاق وسطح عربة المترو إلى مصلى كبيير ،
كانت هذه الجماعة فوقنا تصلي على منحدر صخري ، لو أن أحدهم زحزح قدمه خطأَ لوصل إلينا في لحظات ، لكنه لن يكون بخير حينها على كل حال ..

رحلة الجبل ४


كانت الحركة في المكان أشبه بخلية نحل ، الجميع يعمل رغم طول الرحلة وكثرة المشاق التي كابدناها للوصول إلى هذه القرية أعلى الجبل ،
في الحقيقة لم يركن للراحة إلا "أنا " ، لكنني لم أتمكن مما أردت لنفسي ،
فمداعبات نور الدين بين الحينة والأخرى كانت كفيلة ببعض الكدمات المؤلمة التي تعرف كيف تنازع الراحة سبيلها .
مددت بصري إلى السماء التي اكتست بثوب أزرق مطرز الأطراف بزخرفة تتدرج إلى الحمرة ،
وارتفعت روحي مع نقاء لونها وروعته ، ليظهر في الأفق -فجأة- وبصوت يكفي أنه تسبب في انتقالي إلى أسفل الصخرة التي كنت مستلقيا عليها بقفزة لولبية لا إرادية ،
رجل يسابق الزمن في سباق قارب على الانتهاء ، قد انحنى ظهره ليتوافق مع الرقم "ستة" ،عيناه رغم انسدال بعض الجلد وبروز الكثير من زوائده عليها إلا أنها تبدو مريحة ؛
وهناك أسفل الصخرة ومع نظرات تغدو وتروح ، انطلقت منه أصوات توحي بكلام للغة لا أظن أني سمعت بمثلها قط ، فآثرت السلامة .. بابتسامة .
ظللنا على تلك الحال من تبادل الأصوات غير المفهومة بابتسامتي السحرية ، حتى ظننت أن سحرها لا يؤثر عليه ، فما زال ينطق بالمشكل والملتبس من الأصوات ، إلى أن جاء أحدهم لينقذ الموقف ، ويخبرني بأن الرجل يريد معرفة أين ذهب جلدي ؟!!
لقد كنت بالرغم من ميل بشرتي إلى لون قمح بلادي ، وغناها بشمسها المتسبب في سمرتي ، إلا أني كنت معتبراً عندهم من منزوعي الجلد المسمى بـ ((الباتوري)) أي عديم الجلد ، فهو يملك الجلد وأنا قد حرمني الله منه -من وجهة نظره البحتة- فالحمد لله على كل حال . !!
......................
في تلك الزاوية وتحت شجرة من نوع لم أشاهده قبلا ، تحلق القوم حول أبي ،
اقتربت فوجدته أمام عجوزين وبجواره الجوشاوي يحلق في عالم الأصوات والكلمات ليصل بينهم في ما لا تقدر على فعله العيون والنظرات .
لقد أعرض العجوزان عن الإسلام أيما إعراض ، وأشاحا بوجههما عنّا ، استمات أبي ليقنعهما ، وكرر المحاولة ، لكن .. دونما فائدة ،
لم يكن يحاول إقناعهما بوحدانية الخالق ، أو بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ،
بل كان يقنع أحدهما بأنه عندما يموت لن نغطيه بورق الشجر الذي لا يعجبه ملمسه ، ولا يحب ثمرته ، فقد رأى العجوز أصحاب هذا الدين يصنعون ذلك بموتاهم ، ولا يروق له هذا الأمر .
وعده أبي أنه لن يصنع له ذلك وأن هذا ليس من تعاليم هذا الدين ، فقال : أنتم تضحكون علي ، ستغطونني بهذه الأوراق عندما أموت ولن أستطيع حينها منعكم .. أنتم تخدعونني !!

أما صاحبه فقد أعرض لأن أبناءه منذ أسلموا تركوه وحيدا ونزلوا إلى المدينة وقطعوا صلتهم به ، فكيف يعتنق الدين الذي فرق بينه وبين أبنائه ؟؟
كان اليأس حليفنا عندما بدأ الظلام يلف المكان ، فاستسلمنا ، وذهب كل منا إلى حال سبيله ،
لكن من بعيد ، كان ذلك العجوز رقم "ستة " يراقب الموقف منذ بدايته ،
وعندما همّ أبي بالانصراف أقبل بخطى مسرعة ، وبضربات عكاز تترك أثرها على الصخر ، وتوقف فجأ ، ونادى
فالتفت الجميع ، وأقبل عليه أبي مبتسما ، سلم عليه ودعا له بالصحة ،
فنظر إلى الجوشاوي وقال له : أخبر هذا الرجل أني أريد أن أدخل في هذا الدين الذي جاء به من بلاده إلى هنا ليحدثنا عنه ،
فما كان من أبي إلا أن كبّر تكبيرة ، كبّر بعدها الشباب تكبيرة اهتز لها الجبل ، وسرت بي قشعريرة إثر صداها .
.................
في المساء كان الأطفال مجتمعين في حلقات نورانية يتعلمون قراءة الفاتحة ، بأصواتهم العذبة التي يخرج منها القرآن لأول مرة ، عذبا رقراقا ،
ورغم خروج الحاء بصيغة الهاء ، والعين بالهمزة ، إلا أن عيونهم كانت تشع ضياء ، فيالنور الإسلام ،
لكأني في دار الأرقم .....

رحلة الجبل ३


رقعة تميل إلى الاستواء قليلا ، وتتعالى حولها الارتفاعات الجبلية التي تثير في النفس رهبة المجهول القابع خلفها ،
وأشباح تتقافز على تلك المنحدرات .. هي في الحقيقة ليست سوى فتيات يحملن الماء فوق رؤوسهن ، في لقطة تشبه " سلاحف النينجا " لكن دونما خيال ..

ولأول مرة لا تكون الرمال موطئ قدمي ، ولا الاسفنج ملاذ بدني ، فلا شيء هنا إلا الصخور .

ارتميت تحت شجرة قد انطلقت إلى السماء مخترقة صخرة ، فالقة لها .. أثناء رقودي كنت أتأمل الصخرة وجذور الشجرة ، والقدرة الرهيبة ..ثم أنظر إلى السماء ، فيزداد يقيني .
أتاني نور الدين ، ذلك الفتى الذي لم يكمل بعد عقده الثاني ، كان حينها على وشك
، بعينيه الواسعتين وبشرته التي تساعده على الاختفاء ليلا ، أزاحني مداعبا بوكزة خفيفة -بالنسبة له-كانت كفيلة بدحرجتي بعيدا عن شجرتي .. لقد كان يمزح !!!

مضيت أراقب والدي وهو يهم بذبح البقرة ، أتابع عملية السلخ والتقطيع ، وأتأمل تلك العيون الملتفة حولها تنظر نظرة المتمني المحروم .. كانت البقرة قبلة عيونهم جميعا .

بعد الانتهاء من المرحلة الأخيرة " التكييس" وتوزيع البقرة على الجميع دونما تفرقة بين مسلم ووثني ، جاء موعد الغداء .. وياليته لم يحن

أراد القوم أن يكرموني مرة أخرى ، فقرروا أن يكون نصيبي أثمن ما في البقرة ... الكبد !
جاؤوني بالكبد مشويا
تمنيت لو أنني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا
لا أحبها .. ولا أطيقها .. بل إنني أعافها ،
نظرت إلى أبي ، فبادلني النظرة ،
فهمتها
فأكلتها
لكن يبدو أن تطييب خاطرهم كان وبالا علي .. فقد صار هذا وردي في كل بقرة !

كان أغلب أهل القرية الذين جاؤوا من النساء والصغار والعجزة ، فرجال القرية وشبابها قد نزلوا إلى المدينة ليتشاركوا مع إخوانهم بالمدينة .. النبيذ الجبلي المعتق .. فما أحلى أن يشرب الرجل من صنع يده ، وما أحلى أن يشارك إخوانه !!

وبدأت المغامرة .. وبدأت معها الدعوة .. ورأيت العجب من أمرهما

رحلة الجبل २

حزمت أمتعتي وارتديت الزي الرسمي ، جلباب طويل مطرز من العنق حتى منتصف الصدر ومفتوح من الجانبين من منتصف
القدم وحتى الكعبين ، تحته بنطال عادة ما يربط برباط ، إلا أني طلبت أن يكون من ذوي " الأستيك منه فيه "

بعد صلاة العيد نظرت نظرة طويلة لوجه أمي ، تأملت قسماتها ، حفرتها في ذاكرتي .. سأغيب عنك خمسة أيام لا أعلم هل أعود بعدها أم لا ، لن أبدأ يومي بنظرة صافية من عينين سأفتقدهما .
منحت كلام من أخوي ضمة أظنني سمعت " تكتكة " عظامهما إثرها

وحان الموعد

ركبت سيارة على طريق ، كان كل منهما يشتكي من الآخر ، وبعد ساعات أربع -بحساب آلة الزمن فقط - ولال أظنها كذلك وصلنا إلى مدينة جوازا إحدى مدن الولاية ،
هناك استقبلنا القوم استقبالا حسبت أني أمير في موكب يسير مختالا
أكرمونا كرما أسأل الله أن لا يرزقني بمثله أخرى
؛
ففي الظلام الدامس *قدم إلي على العشاء -الذي تكرر أكثر من مرة - مجموعة من الأطباق التي لم أتمكن من تمييز محتواها ، حاولت جاهدا حتى بمساعدة أبي ، إلا أن كلا منا أعيته المحاولة
كانت معركة شرسة تدور في أمعائي
فلم أملك سوى أن أغمض عيناي لزيادة الاندماج اللاشعوري في اللانور ، وكتمت نفسي ، وحركت أسناني ... ولم أدر بعدها ما حدث .
......................

استيقظت على صوت أبي يتغنى باسمي فقمت مسرعا نشطا ..متجاهلا ما يدور بمعدتي وكأنها معركة في بطن غيري
وانطلقنا إلى نقطة التجمع تحت شجرة وارفة الظلال عظيمة الارتفاع ، أُخبرتُ عن عمرها وما مر بها من أجيال استظلت بظلها ما قررت أن أدخله في غرفة الأساطير - غرفة يمين في شمال على إيدك من ورا وانت داخل مخي من فوق -

مائة من الشباب تتراوح أعمارهم ما بين الثامنة عشر والأربعين ! *

قام الجوشاي * فيهم خطيبا وقسمهم إلى مجموعات
كنت ضمن المجموعة الأولى التي كانت مختلفة تماما عن باقي المجموعات ، كانت ثلاثة ، الجوشاوي ، وأبي ,أنا
كانت هي مركز القيادة وغرفة العمليات

وكان الأمر بالانطلاق .. فانطلقنا

................
لحظة .. كانت هناك مشكلة في اصطحاب البقرات الأربع التي سنذبحها فوق الجبل ، إلا أني لم أتابع الموضوع حينها وانشغلت بمتابعة المصور وتجهيزه للفيديو والكاميرا

بعد سير حثيث .. وصلنا إلى القاعدة * رميت ببصري إلى القمة ، فانقلب إلي البصر خاسئا
رميته مرة أخرى .. فغاب .. ثم عاد خاسئا مرة أخرى
فقررت الاحتفاظ به حاليا والذهاب بنفسي لرؤيتها

تسلل إلى قلبي بعض الخوف من أولئك الوثنيين الذين سنقبل على دعوتهم من عبادة الأصنام والسحر إلى عبادة الخالق المتعال
الذين سنخرجهم من عفن الدنيا إلى طهر الآخرة والدنيا
شددت على يدي أبي .. شعرت بالأمان . وأكملت الصعود

6 ساعات متواصلة من الصعود إلى أعلى في طريق جبلية وعرة ، مع لسان يلوك حبات السكر المركز لمنح بعض الطاقة ،
وأشجار النبق التي تترامى بين الصخور في مشهد لم أكن لأصدقه لولا أني قد رأيته بأم عيني ،
هذه الأشجار لم تسلم من قطف يدي لثمرها والاستمتاع بطعمها الذي لن أتمكن من وصفه الآن
وبجانبي المصور الذي يصور ذلك الحدث التاريخي
حيث أنا أقدامنا هي الأقدام العربية العربية الأولى التي تطأ جبال جوازا منذ فجر التاريخ .. أو هكذا أخبرونا

وصلنا إلى القرية الأولى بعد ربع يوم من الصعود المتواصل في الجبل .. الذي لم تظهر قمته بعد ....
--------------------------
----------------------------------------------------------------
* الظلام الدامس : الكهرباء ربما تأتي حوالي 3 أو 4 ساعات في اليوم
* طبعا الشباب حتى سن الخمسين .. وللا حد عنده كلام تاني ؟؟
* الجوشاوي : هو أمير هذه الجماعة الدعوية ومنسق رحلات الجبل وأول من بدأ الدعوة في الجبل منذ عشرين عاما مضت
*القاعدة : قاعدة الجبل طبعا .. عشان بس ما نروحش عند الناس التانيين ها الناس التانيييين

رحلة الجبل १

مستلقيا على ظهري متمددا على تلك المرتبة الإسفنجية التي لم أعتد النوم على غير مثيلاتها طيلة ثلاث وستين شهرا ،
وحيدا في غرفتي مترامية الأطراف ، في الحقيقة ليست وحدها هنا مترامية الأطراف الكل هنا مترامي الأطراف إلى حيث تعجز عيناك عن إبصار ما ينتهي إليه ما تحاول إبصاره
اللون الأخضر الباهت ، والبني الفاتح ، يطغيان على الجميع في ظلم واضح للألوان المستضعفة التي لا تأخذ فرصتها العادلة
لا أخفيكم سرا..لقد ضقت بهذين اللونين الذين لا أ:اد أرى سواهما أينما وقع بصري ضيقا لو وزع على ألوان الأرض لكفاهم
....
نعود مرة أخرى إلى تمددي ، واستمراري في التمدد (على السرير ، وليس ذلك التمدد الفيزيائي بالحرارة ) ، فجأة ..يقطع هذا التمدد تحرك المقبض واندفاع الباب إلى الداخل ، وإطلالة مشرقة لوجه والدي ، أحسب أن إشعاعها قد غطى على ذلك النور المتسلل من النافذة الحديدية المطعمة بالزجااج*

أقبل نحوي بخطى متئدة ، وابتسامة هادئة تخفي ورائها أمرا ذا بال
اعتدلت في جلستي وطبعت على يديه قبلة أحسست بدفئها كالسيل في جسدي

نظر إلي نظرة حانية مكتسية بالجدية وقال :
هل ستصحبني هذا العيد في رحلة الجبل ؟
لم أفكر .. لم أحسب المعادلات .. الربح والخسارة .. الراحة والمشقة .. التسكع والصحاب ..العيد واللحم
وافقت على افور .. يكفي أن أكون بصحبتك

سننطلق غدا إذا
أول أيام عيد الأضحى ستكون بداية رحلة شاقة ، سامية الأهداف ، سامقة المعاني .. جليلة الغاية ..عظيمة الصحبة


______________________
*الشباك الحديدي المطعم بالزجاج : هذا بالطبع لا يعني وجدي في محبس كما ستذهب ربما أذهان البعض إلى هناك
لالالا
ارجع هنا
هذه هي نوعية النوافذ هناك

محبوبتي २

من نظرتي الأولى لها
أدركت أني وقعت في شراك حبها
من نظرتي الأولى لها
أصبحت مهموما بها
كانت تتيه بجمالها أمامي ، لم أستطع تمالك نفسي ومنعها
ظننت أن مثلها مثل غيرها
لم أستطع نسيانها
أمامي واقفة بدلالها
نعم ..نعم ..وقعت في حبها
............
لم تكن كغييرها
قد كانت مميزة ، مميزة من نوع خاص لم أر في حياتي مثلها
لم أنجذب إلا لها
عندما رأيتها
تركت عالمي لها
وعشت في عالمها
حيث أنا وهيَ
.............
لم أكن أعلم ..هل تبادلني شعوري بحبها ؟
أم أنني وحدي مغرم بها
كانت تقدم لي ما يوحي بودها
عشت سنين من عمري على أثرها
كان كل نجاحي مُهداً لها
مجهودي وعنائي من أجلها
لكي أكون بحق ..أهلا لها
................
في فترة ما كئيبة أصابتني العلل
أصابني الفتور ..تركتها ..لفترة وجيزة شغلت عنها
لكنني أبدا لم أنشغل بغيرها
وعندما عدت لها
وجدتها..ضاعت علي .(كل غيرها )
ذاك الفتى قد خطبها
قد أخذها
أفقت حينها من غفلتي ..يا ويلتي ضيعتها
............
أزرق العينين أو مخضرة
شعره أصفر فيه حمرة
وأنفه دقيق مثل الشعرة
أتراه أخذها مني عنوة
إني أرى في عينيه قسوة
في نظرته جفوة
أتراها فضلت علي هذا البلوة
أتراه فاز علي هذي الجولة
حاولت أن أسترجعها مرارا
لم أستطع
أتاني ذات مرة وقال : لا تحلم بها
إنسها
امسح من عقلك رسم حروف اسمها
إياك أن تجرؤ على ذكرها
لم تعد لك ..لقد تزوجتها
..............
لم أستطع
كان يراودني طيفها
أنينها ..عذابها
حاوت فترة طويلة إنكارها
لم أستطع
قررت إرجاعها
قيل : ستكون عودة عصيبة مستعصية
وغير شرعي مجيئها
أفقت من غفوتي ..حاولت
لم أستطع
قالوا : هي زوجته وهو حر بها
لم أستطع .. لم أستطع
وأخيرا ..قررت إرجاعها
وحينها ..وبعد جهد وبذل وطول صبر
عادت لي جميلة .. كآخر عهدي بها
ذلك أني حقيقة ..للحظة لم أنسها
...............
محبوبتي هي ........أندلسي

أحببتها

لم تكن الأيام تمر دون أن أفكر فيها
لم يكن يشغل بالي غيرها
َلم أكن أر أمامي إلا هي
كنت أرى كل أحلامي بها
كانت أمنياتي لها
آمالي من أجلها
كنت أتتبع كل حرف يرسم اسمها
كل عطر يفوح بعبيرها
" من الآخر"
كنت مجنونا بها
.........
ظلّت تراودني الوساوس بها
أنغامها
أصداء بريق مشع آتٍ من سمائها
تتبعتها
رأيتها
عرفتها
أحببتها
فكان آخر أمري عشقي لها
........
وعلى غير رغبة منها ،
جاء ذلك الذي قطع عني حبل وصالها
أخذها مني كلها
منع عني ذكرها
لكنّي لم أنسها
سطرت بقلمي وصفها
حمراءها ..خضراءها..قسماتها
جمالها وصوتها
عطرها وثيابها
كلها حفظتها
سأعود يوما من أجلها
يا رب إني عشقتها
فلتعف عني ..لأني ..أخطأت يوما بتركها
لو كان علمي ..بعذابها وشقائها
لم أعط غيري فرصة ..لنوالها

..............
قصتي معها ..تتبع بإيضاح التفاصيل

تردد .. يتبعه قفزة

في زحمة الدنيا وبين أهلها الذين لا يثبتون على حال
وبين أصوات الآهات المنبعثة من داخل عقله ، تزاحمها أصوات آلات تنبيه السيارات المحيطة
وقف حائرا ، لا يدري أين يذهب بعد أن هاجت به الدنيا وماجت ؟
أيمكث حيث هو ؟ حيث المصير المجهول
أم تراه يحاول التصرف لإنقاذ الموقف ؟
لكن ربما يزيد تصرفه الأمر سوءا
ليس عليه إلا المحاولة
لكن ، ماذا لو حدث مكروه لأحدهم بسببه ؟
ماذا لو وقع هو نفسه في مشكلة ؟
يا إلهي ، هل يستطيع أن يتركه خلفه ؟
هل بإمكانه التخلي عنه هكذا ؟ بكل بساطة ؟
أيتركه بين أيديهم ؟
لكن ما باليد حيلة
لا شيء يمكنه القيام به حيال ذلك ،
-------
أوووووووووووه
الدنيا تدور
تستعصي الأمور
أينتصر الجور ،
تمر الدهور
ولا يمكنني المرور
-----
هل يستطيع الدخول مرة أخرى ؟
لكن كيف ؟
هل يعود إلى الهلاك بعد النجاة ؟
وهو ؟
أليس من الأفضل أن يشاركه الهلاك بدلا من تركه يهلك وحيدا ؟
.....
وبينما هو في حيرته
إذا بيد غليظة ، تفوح منها رائحة منتنة أصابته بدوار خفيف
أمسكت هذه اليد التي ذكرتها آنفا بياقة قميصه التي دائما ما كان يبالغ في تمرير المكوة عليها ذهابا وإيابا
لكنها الآن صارت كالورقة عندما تقع فريسة تعكر مزاج أحدهم حين لا تقوى يداه عن التعبير عما بأعماقه ،
فيمسك بها مشوها انبساط صفحتها ، ليكورها ويقذف بها في سلة القمامة ، لتقع على الأرض نتيجة خطأ في إصابة الهدف بداخل السلة ،
هكذا وجد نفسه ( مقفوشا )من قفاه مرة أخر ى
وسمع ذلك الصوت الأجش يمر من خلال طبلة أذنه ليخترقها عابرا جوف المخيخ ، ليثقب الطبلة في الناحية المواجهة للطبلة الأولى للأذن المقابلة ،
إنه يعرف ذلك الصوت ، لقد فارقه منذ لحظات
أوه يا إلهي ، إنه لصاحب علامة اليد المطبوعة على وجهي
المكتسية باللون الأحمر المائل للزرقة
والواقع على ارتفاع ظهر حديثا تحت عيني اليمنى
....
( انت لسه هنا ، عاوز تتظبط تاني )
؟؟
.........
نظر إليه نظرة فريدة من نوعها ، خليط من كثير أشياء ،
الخوف والسخرية ،
الرعب والاستغراب ،
الاندهاش والألم
كلها وغيرها احتوتها تلك النظرة
.....
رد عليه قائلا دون تردد :
( الظاهر الأتوبيس هيتأخر ، هاخد تاكسي أحسن ،
تاكسي
تاكسي
ثم قفز
.

نظريتي .. زاد الحيارى

في جعبتي نظرية ، قد يخالفني فيها الكثير ، وقد يتفق معي القليل القليل
ترددت كثيرا في طرحها ، لكثير ما لقيته من هجوم عليها في الوسط الواقعي الذي أحياه
لكن ما شجعني هو وجود هذا الوسط ( الفيسبوكي) الذي من الممكن أن يحمل في طياته بعض التسامح في اختلاف وجهات النظر ،
نظريتي أيها السادة هي ..
هي ..
هي ..
عن الزواج
نعم
الزواج
أحمل نظرية عن الزواج أكاد أختلف فيها عمّن هم في مثل سني أو أكبر بطبيعة الحال ،
فمن في مثل سني لا أظنه يتحدث عن الأمر الآن ،
لأنه يرى المشوار أمامه طويلا ، مليئا بالأشواك ، والمصاعب ، والمطبات
لكنني حللت كل هذا
من خلال رؤية ، أعتبرها فريدة بطبيعة الحال ،
إن نظريتي أو نظرتي تتلخص في أنني لا أرى داعيا لكل هذه البهرجة ولكل تلك المصروفات والتي يبدأ بها إنسان حياته لغير داع أو ضرورة
لماذا نغالي في المهور ، ولست هنا أحد المشايخ الذين يحاولون الوعظ ، ولكني أتحدث عن شيء أتصوره عقلا
لماذا لا أبدأ حياتي مع شريكة للحياة تشاركني هذه الحياة بحلوها ومرها
؟؟؟؟!!!
لماذا لا نبدأ من الصفر ، معا
لمذا أضيع وقتي في جمع هذا المال وحدي ؟؟
لماذا لا تكون معي في جمع هذا المال ؟
تعطيني دفعا معنويا نحو التقدم للأمام
وبدلا من تحصيل رزق فرد واحد
فإن الرزاق يرزقنا برزق اثنين
؟؟؟؟
لماذا لا نبدؤها حياة بسيطة ونعلو معا حتى نصل إلى الصرح الذي نتمناه
لكن معا
ما أراه هو أن وجود معين في هذه الفترة
سيقوي الدافع نحو التقدم للأمام أكثر منه حين تسير وحيدا
تشعر بالملل أحيانا
واليأس أخرى
وما أقوله أيها السادة ، ليس ضربا من خيال
فالدكتور سناء أبو زيد
وهو طبيب
تزوج زوجته ، وهي طبيبة أيضا ، على ما أعتقد
وكان كل حيلتهما ، طبلية ، ومرتبة
( والعهدة على الراوي )
بل لماذا أبتعد بعيدا ،
أبي مَهَرَ أمي ربع جنيه ،
وعلمها سورة الكهف
وهي أيضا الطالبة النجيبة آنذاك
والجامعية الرهيبة
جل ما أقصده
أن ذلك ليس فقط قاصرا على امرأة أمية يمكن أن ترضى بالقليل وتفرح به

هذا هو الشق الأول من النظرية
أما الشق الثاني
فهو أنني أرى أن زواجي عند العشرين أو قبلها
من شأنه أن يوفر علي الكثير الكثير في تربية الأبناء والتعامل والتعايش معهم
تخيل أنك تربي أصدقاءً لك
متقاربين معك في العمر
لن تجد هذه الفجوة بين الأجيال
ستكون متعايشا معهم
قريبا من أحلامهم

أوووووووووه
يكفي
لن أكتب المزيد
فلا أريد أن أضرب على أم رأسي
وقد أخذ مني اليأس مأخذه
لكن
عسى أن أرى من يوافقني رأيي
فيستريح قلبي
ويسكن فؤادي
...
تحياتي

يومياتي .. ومعاناتي

تحت سماء ملبدة بالغيوم ، في مشهد غاب عن سمائنا لفترة كانت هي الأطول في حياتي التي لا أرى فيها الغيوم تزدحم بالسماء ، تعلو فوق بعضها ، تحجب الشمس حينا وكأنها الطفل يقف أمام والده معاكسا له ، فتقوم الشمس بإبعادها حتى تتمكن من إلهابنا بأشعتها التي تخترق ثقب الأوزون لتصل إلى نفوخي محدثة (خرما ) في نفوخي يتسبب لي بصداع يصاحبني في ليلتي و غدي .

تحت هذ السماء سابقة الوصف ، كنت أمر بين شوارع المحروسة (المهروسة) بخفة ورشاقة ، لا يعيقني رصيف مرتفع عن الأرض (زيادة عن اللزوم ) أو شق في وسط الشارع يبتلع من يمر فوقه وكأنه الأخدود .
أتجاوز سيارات الشارع الصاروخية بطريقة لولبية ، يتلامس طرف بنطالي مع مقدمة الجانب الأيمن من كبوت تلك السيارة التي مررت من أمامها في برود ، يظن الرائي للوهلة الأولى بأنها قد صدمتني ، إلا أنني أقنع نفسي بأن صاحب السيارة عليه أن يتوقف مهما كلفه الأمر ،في ثقة لا حدود لها بأن هناك ما يمنعه من الارتطام بي .

فجأة ، تقع عيني على أحدهم ينضوي في ركن من الشارع
لم أعتد أن أر في هذا الركن أحد ،
إنه بائع جرائد ،
يارب لك الحمد و الشكر ،
لن أرهق نفسي وأجلدها وهي تطلع ذلك المطلع الذي أعاني فيه الأمرين عند طلوعه ، ذلك المطلع الذي لا أرى فيه نفسي إلا ( كبلياتشو ) يمشي على حائط رأسي
( لا تستغربوا ..فهذا طبيعي في المقطم )
بعد تلك المعاناة التي أعانيها في طلوع ذلك المطلع لشراء جريدتين أو ثلاثة ، ( حسب المزاج ) آخذ نصيبي من تلك النظرة التي لا أفهم لها سببا ، والتي لم يعد يهمني معناها ،
تلك النظرة التي يصبها عليبائع الجرائد صبا
لقد جبلت عليها ، وكأنها ( هوم وورك ) يقوم به عند رؤيتي .
...
دعونا من ذلك ، فقد عددت هذا من الماضي السحيق بمجرد رؤيتي لذلك البائع الجديد ،
انحنيت عليه في خفة لم أعهدها على نفسي من قبل ،
ذهبت أقلب الجرائد بعيني ، وأتجرع منها ما يصيبني بالهم المدقع ، أستزيد منها بما يعكر صفو مزاجي ، وينكد علي بقية يومي ،
هذا هو الطبيعي ،
في ظل كلمات كتبتها أيد أثيمة ، (في نظري ) بالطبع ليست كلها ،إذ تلوح بعض الكلمات التي كتبتها أيد يتيمة ، لا تجد من يشبهها في ذلك العالم من الكلمات التي تنظر إليها نظرة كتلك التي يرميني بها بائع الجرائد المذكور أعلاه

مددت يدي وتناولت من أوسط الجرائد ما اشتهته نفسي ، وإذا ببائع الجرائد الجديد هذا ، يرميني بنظرة ( أرض جو ) أتجنبها بمضاد الطائرات فتصيب حجرا بجانبي ، محدثة دوي انفجار مريع
يا إلهي
إنها لنفس تلك النظرة من ذلك البائع ،
أهو بروتوكول في اتحاد بائعي الجرائد
أم أن هذا أخوه
أم تراني قد قتلت لهم قتيلا

لا أدري
أظنني سأعتاد على هذا أيضا ،

يأتي من بعيد صوت ذلك المنادي الذي يخترق صوته أذني كصوت منبهي الذي كسرته اليوم عنما كنت أقوم بإخراسه .
( نفر واحد ..سيدة عيشة )
ومرة واحدة ، ومن قفزة حلزونية ، أستقر في ذلك المقعد الذي يكون من نصيبي في كل مرة ،
ذلك المقعد الثالث ( القابل للثني والفرد ) والذي بالطبع لا يمكنك أن تفرد ظهرك عليه
لأنك إن فعلت ،
فياسواد ليلك ، أو نهارك
حيث تجد من يغزك من الخلف بركبته في وسط تلك العصا التي يسمونها بالعمود الفقري ، مما يسبب آلاما مباشرة من المخ ،

حاولت أن أكون طبيعيا وأن أتبع التعليمات الصحية بفرد الظهر مستقيما ، وشد البطن ، مما جعلني أبدو كأحد هؤلاء الذين يأتون صباحا على شاشة التلفيزيون الحكومي ، لأداء التمرينات الرياضية ( حسب معلوماتي القديمة )
ينطلق السائق في سرعة هي القياسية في عالم المكروباصات ، حيث يضع الرجل قدمه على دواسة البنزين غير عابئ بازدحام السيارات ، وكأنه لا يخشى أن يلمس أحدها بسبب مفعول تلك الكبسولة والتي تنشيء حوله مجالا مغناطيسيا يبعد عنه تلك السيارات ،
أعلم تمام العلم بأن الاثنين الذان وضعهما القدر بجانب هذا السائق ، قد وضعا يدهما على قلبهما ، ونطقا بالشهادتين ، تحسبا لانتهاء مفعول الكبسولة العجيبة .
لقد جربت هذا الشعور سابقا
ليكن الرب في عونهما ، ولتشملنا رعايته

أقاوم ملل الطريق بتصفح الجريدة العجيبة ذات المانشيتات الرهيبة ،
أقلب عيني بين كلماتها ، فتتراقص أمامي ، أقاوم حرارة مانشيتاتها فأتصبب عرقا ،
وإذا بي أجد من بجانبي ،
وقد حشر رأسه في مجال جسدي مخترقا خصوصيته ،
ووقد شده مانشيت رياضي لم أعتد الانجذاب إليه ولا إلى تلك الصفحة
لقد دخل في المجال الذي ذكرته في السطر اللي فوق ،
وكأنني أمه التي خلفته ونسيته ، ويريد مني جرعة حنان
أحاول ان أخرج نفسي من هذا الموقف الذي يحرج أمثالي ،
فقلبت الصفحة
ويال المصيبة
..
..
..
لقد نظر إلي نظرة كتلك النظرة لبائعي الجرائد ، أتراه منهم
لا ، لقد كانت هذه أشد وأعتى
ثم تحركت شفتاه لينطق ، ( وهذا ما أكد لي أنه ليس بائع جرائد ، فهم لا ينطقون )
قال لي بكل ( أدب ) مش شايفني بأقرأ يا كابتن
..
..
حينها
وقف شعر رموشي
وارتجفت مفاصل أصابعي ،
وسلمته الجريدة بكل أدب واحترام
تكفيرا عن ذلك الذنب الذي بسببه ، نظر إلي كل من في الميكروباص ،
وكأن العيون صرخ بي
( مش شايفه بيقرا )

... نعم
لقد سلمته الجريدة ليقرأها كما يريد
وكنت بين الحينة والأخرى أسترق النظر لأرى ، هل فرغ الباشا من قرائتها ( في أدب بالغ

وبعد طول انتظار
سلمها إياي
قائلا :
شكرا يا كابتن
..
ونزل

الرحلة المثيرة .. والإذاعة الخطيرة (2)

وأكمل المشوار
في وضح النهار
في حر شمس نار
والألم في حلقي يموج كالإعصار
هنا ..ظهر عزازيل أمامي يلوح بافتخار
يقول عد من حيث أتيت يا أيها المغوار
لن تكملوا المشوار
دنياكم ملخبطة لن تكملوا ( الحوار )
فصاحب الاستوديو قام بالاعتذار
عرفت أنه يريد أن يجرني للانكسار
وقفت له كالطود ، فعاد للصغار
وأكملت المشوار
وجدت من المعوقات ما يدعوا للانبهار
مصيبة فأخرى على (قفانا) تنهار
* * *
ماذا عساي أقول
أأسلم بالأفول
هل من حلول
أم أنني سأكتفي بساندويتش فول
بجانب مشروب من الكحول
أوه!! يا إلهي عذرا ، لا أشرب الكحول
* * *
أعود للموضوع من جديد
وعزيمتي الحديد
وعقلي الرشيد
وذهني المتقد العنيد
هذا ليس مدحا لكنني فريد
صدقوني فكل ما أقوله أكيد
* * *
وعدت أواجه تلك المصائب العظام
في لحظة ما فاصلة قررت الانتقام
وقلت في قرارة نفسي لابد أن أنام
كي أجد الحل في أحد الأحلام
وكان ما أراده المولى ، ونمت في سبات كأنني ما نمت من زمان
وكان هذا حقا ، فقد حرمت من النوم عددا من الأيام

وبعد أحلام مريرة
وصراعات كثيرة
وكوابيس خطيرة
أفقت على صيحة عالية بالتكبير
تحمل في ثناياها حجم إصرار كبير
قد حلت المشاكل ، أبشر يا عبود ( أنا -مش الموقف)
فقمت من مقامي
فإذا بعزازيل أمامي
أخرجت له لساني
مطلا من فمي يرقص قائلا
مت يا عزازيل بغيظك في الجحيم
أنا لا يهمني غدر اللئام
او صوت صرير مروحة مخيف في الظلام
برفقة صرصور ، وبرغوت وحتى جاان
* * *
هذي كانت رحلتي مع إخوة في الله ، كأنهم درر
قلوبهم من رقتها تفتت الحجر
قد كنت برفقتهم سعيدا يا عمر
( ما اعرفش عمر مين )
* * *
بس كده
سلام

الرحلة المثيرة.. والإذاعة الخطيرة

في ذات يوم مشرق لم أرقب صباحه
مستندا على (مامي) آكل تفاحة
إذ رن هاتفي المحمول رنة صياحة
رميته بنظرة في قمة التناحة
وصحت به مستهزءا ..ما هذه الوقاحة ؟
من هذا المزعج الذي يرن وقت الراحة ؟
فإذا به ( سن لايت ) صاحب المقام
والواجبِ تبجيله لما له من شان
قلت له مرتبكاً : أأمرني يا (مان)
فرد في نبرة تشع بالوئام
الناس محتاجينلك فاذهب لهم الآن
قمت بسرعة متجها للمكان
قلت لهم : شبيك لبيك ، إني وصلت الآن
ودخلت في معمعة تشتت الأذهان
سألت من بجانبي : هل لي باستفهام؟
رد علي ذلك الإنسان :
اسأل ولكن دون صوت مرتفع
واختصر
فليس في الوقت متسع
قلت: أريد أن أفهم الوضع ومن له الزمام ؟
حدثني بحديث ، فأصغيت باهتمام
ادركت من خلاله هول المقام
ثم استدرت قائلا :يا رب الأنام
وفقنا وأعننا وثبت الأقدام

...
يتبع
بقية الرحلة